الطوطمية والوثنية المعاصرة – السياسة والتحليل النفسي.. للكاتب رياض حمادي
الطوطمية والوثنية المعاصرة – السياسة والتحليل النفسي (*)

للكاتب رياض حماديرابط مدونة الكاتب
” معظم أولئك الذين هم في قرارة نفوسهم شخصيات تسلطية سيعبرون عن آراء ديموقراطية ما دامت الغالبية العظمى تفعل ذلك ” ايريك فروم
هل لدينا ” طوطمية ” في حضارتنا ؟
يسأل ايريك فروم , ثم يجيب :
” لدينا منها
حظ كبير – وإن كان من يكابدون منها لا يعتبرون أنفسهم في حاجة إلى معونة
الطب النفسي , والشخص الذي يكرس نفسه تكريسا تاما للدولة أو لحزبه السياسي ,
والذي يكون معياره الوحيد للقيمة والحقيقة هو مصلحة الدولة أو الحزب ,
والذي يجعل من العلم بوصفه رمزا لجماعته موضوعا مقدسا , مثل هذا الشخص
يعتنق دينا قبليا , ويتعبد عبادة طوطمية , وإن اعتقد أنه يعتنق مذهبا عقليا
لا غبار عليه ( وهذا ما يعتقده بالطبع كل المؤمنين بأي نوع من الدين
البدائي ) . فإذا أردنا أن نفهم كيف تمتلك بعض النظم كالفاشية أو
الستالينية ملايين من البشر , على استعداد للتضحية وعقلهم للمبدأ القائل : ”
وطني , مخطئا أو مصيبا ” فلا مناص لنا من أن ننظر في نزعتهم الطوطمية ,
والصبغة الدينية التي يتسم بها توجيههم .”
” والعنصر
الجوهري في الدين التسلطي وفي التجربة الدينية التسلطية هو الاستسلام لقوة
تعلو على الإنسان . والفضيلة الأساسية في هذا النمط من الدين هي الطاعة ,
والخطيئة الكبرى هي العصيان , وكما يُتصور الإله على أنه شامل القدرة ,
محيط علما بكل شيء , فكذلك يتصور الإنسان على أنه عاجز , تافه الشأن . ولا
يشعر بالقوة إلا بمقدار ما يكتسب من فضل الإله ومعونته عن طريق الاستسلام
التام . والإذعان لسلطة قوية هو أحد السبل التي يستطيع بها الإنسان أن يهرب
من شعوره بالوحدة والمحدودية , وفي فعل الاستسلام يفقد استقلاله وتكامله
بوصفه فردا , ولكنه يكتسب الشعور بأن قوة مهيبة تحميه , بحيث يصبح جزءا
منها . “
” التجربة
التي يصفها كالفن, اعني احتقار كل شيء في الإنسان , وخضوع العقل الذي ينوء
بفقره , هذه التجربة هي جوهر الأديان التسلطية كلها , سواء صيغت بلغة
علمانية أو لاهوتية . والإله في الدين التسلطي رمز للقوة والجبروت , وهو
الأعلى لأن له القوة الأعلى , والإنسان إلى جواره لا حول له ولا قوة . “
” والدين
التسلطي العلماني ( أو الدنيوي ) يتبع هذا المبدأ نفسه . فهنا يصبح الفوهرر
أو ” أبو الشعب ” المحبوب , أو الدولة , أو الجنس/ العرق Race أو الوطن
الاشتراكي – موضوعا للعبادة , وتصبح حياة الفرد تافهة , وتتألف قيمة
الإنسان من إنكاره لقيمته وقوته . وكثيرا ما يسلم الدين التسلطي بمثل أعلى
يصل درجة عالية من التجريد والبعد بحيث لا يمت بصلة تقريبا بالحياة
الواقعية للشعب الحقيقي . ولمثل هذه المثل العليا ” كالحياة بعد الموت ” أو
” مستقبل الإنسانية ” يمكن أن يضحى بحياة وسعادة الأشخاص الذين يعيشون هنا
والآن , وهذه الغايات المزعومة تبرر كل الوسائل , وتصبح رموزا تتحكم
باسمها ” الصفوة ” الدينية أو الدنيوية في حياة إخوانهم من البشر . “
أصنام معاصرة :
هل لا نزال معنيين بمشكلة الوثنية ؟
يقول فروم :”
نحن لا نبدي مثل هذا الاهتمام إلا إذا وجدنا بعض ” البدائيين ” عاكفين على
عبادة أصنام من الخشب والحجارة . فنحن نتصور أنفسنا أسمى كثيرا عن مثل هذه
العبادة , وأننا حللنا مشكلة الوثنية لأننا لا نرى أنفسنا عابدين لأي رمز
تقليدي من رموز الوثنية , وننسى أن جوهر الوثنية لا يكون في عبادة
هذا الصنم أو ذاك ولكنه موقف إنساني معين . ويمكن أن يوصف هذا الموقف بأنه
تأليه للأشياء , أو لمظاهر جزئية من العالم , وبأنه خضوع الإنسان لمثل هذه
الأشياء . فليست التماثيل المصنوعة من الخشب والحجارة هي
وحدها الأصنام . الكلمات يمكن أن تصبح أصناما , والآلات يمكن أن تصبح
أصناما , والزعماء , والدولة , والسلطان , والجماعات السياسية , بل أن
العلم ورأي الناس يمكن أن يصبحا أصناما , والإله نفسه أصبح وثنا بالنسبة
للكثيرين . “
” ألم يحن
الوقت للكف عن الجدل حول الإله , والاتحاد – بدلا من ذلك – في إماطة اللثام
عن أشكال الوثنية المعاصرة . فاليوم لم يعد ” بعل ” و ” عشتروت ” هما
اللذان يهددان أثمن ممتلكات الإنسان الروحية , وإنما تأليه الدولة والقوة
في البلاد التسلطية , وتأليه الآلة والنجاح في حضارتنا . وسواء كنا متدينين
أم لم نكن , وسواء اعتقدنا في ضرورة قيام دين جديد , أم في دين بغير دين ,
فإننا بقدر اهتمامنا بالجوهر لا بالأصداف الخارجية , وبالتجربة لا بالكلمة
, وبالإنسان لا بالكنيسة , نستطيع أن نتحد في استنكار حازم للوثنية ,
وربما وجدنا في هذا الاستنكار من الإيمان المشترك ما يزيد على أية أقوال
إيجابية عن الإله . ولكننا سنجد بالتأكيد مزيدا من التواضع والحب الأخوي . “
التبرير أو تزييف العقل :
” لقد برهن
التحليل النفسي على الطبيعة المبهمة لعملياتنا الفكرية , والحق أن قوة
التبرير , أو هذا التزييف للعقل , هو إحدى الظواهر الإنسانية المحيرة أشد
الحيرة . ولو لم نكن معتادين عليها هذا الاعتياد , لبدا لنا مجهود الإنسان
في التبرير مماثلا لمذهب شخص مصاب بجنون الاضطهاد paranoid فالشخص المصاب
بهذا الجنون يمكن أن يكون غاية في الذكاء , ومن الممكن أن يستخدم عقله
استخداما ممتازا في جميع مجالات الحياة اللهم إلا في الجزء المنعزل الذي
يتعلق به جنون الاضطهاد . والشخص الذي يقوم بالتبرير يفعل هذا تماما . فنحن
نتحدث إلى شخص ذكي من المؤمنين بستالين , وهذا الشخص يُظهر مقدرة عظيمة في
كثير من مجالات الفكر , ولكنه , ما أن نناقش الستالينية معه حتى يواجهنا
فجأة مذهب فكري مغلق , وظيفته الوحيدة هي إثبات أن ولاءه للستالينية متفق
مع العقل ولا يناقضه . ولهذا فسوف يُنكر بعض الوقائع الواضحة , ويشوه بعضها
الآخر , أو تراه حين يوافق على بعض الوقائع والأقوال , يشرح موقفه بأنه
منطقي متسق , وسيعلن في الوقت نفسه أن العبادة الفاشية للزعيم هي إحدى
السمات البغيضة جدا للنزعة التسلطية , وأن العبادة الستالينية للزعيم شيء
مختلف تماما , وأنها التعبير الحقيقي عن حب الشعب لستالين – فإذا قلت له أن
هذا ما يدعيه النازيون أيضا , ابتسم متسامحا لافتقارك إلى الإدراك , أو
اتهمك بأنك صنيعة الرأسمالية . وسيجد ألف سبب وسبب ليثبت لماذا كانت
القومية الروسية ليست قومية , ولماذا كانت النزعة التسلطية نزعة ديموقراطية
, ولماذا كانت السخرة مدبرة لتربية العناصر المعادية للمجتمع وإصلاحها .
والحجج المستخدمة للدفاع عن أفعال محاكم التفتيش وتفسيرها , أو المستخدمة
في تفسير التحيزات العنصرية أو الجنسية – هذه الحجج أمثلة واضحة على هذه
القدرة نفسها في التبرير . “
” وتبين
الدرجة التي يبلغها الإنسان في استخدامه تفكيره لتبرير العواطف اللامعقولة ,
وأفعال طائفته – تبين عظم المسافة التي ما زال على الإنسان أن يقطعها لكي
يصبح ” إنسانا عاقلا Homo sapiens . ولكن ينبغي علينا أن نتجاوز مثل هذا
الوعي , يجب علينا أن نحاول فهم أسباب هذه الظاهرة وإلا وقعنا في خطأ
الاعتقاد بأن استعداد الإنسان للتبرير جزء من ” الطبيعة الإنسانية ” لا
سبيل إلى تغييره . “
بين توجيه العقل وتوجيه القطيع :
” والإنسان
في أصله حيوان يحيي في قطيع , وتتحدد أفعاله بدافع غريزي لإتباع الزعيم ,
وبأن تكون له صلة وثيقة بالحيوانات الأخرى من حوله . وبقدر ما نكون قطيعا ,
لا يهدد وجودنا خطر أعظم من فقدان هذه الصلة بالقطيع , فنصبح معزولين .
والصواب والخطأ والحق والباطل أمور يحددها القطيع . ولكننا لسنا قطيعا فحسب
. بل نحن إنسانيون أيضا . نملك الوعي بأنفسنا , ونملك العقل الذي هو
بطبيعته ذاتها مستقل عن القطيع . ومن الممكن أن تتحدد أفعالنا بنتائج
تفكيرنا بغض النظر عما إذا كانت الحقيقة يشارك فيها الآخرون أو لا يشاركون . “
” والصدع
الحادث بين طبيعتنا القطيعية وطبيعتنا الإنسانية هو أساس نوعين من التوجيه :
توجيه بواسطة قربنا من القطيع , وتوجيه بواسطة العقل . والتبرير مصالحة بين طبيعتنا القطيعية وقدرتنا البشرية على التفكير
. وهذه القدرة الأخيرة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن كل ما نفعله يمكن أن يصمد
لاختبار العقل . وهذا ما يحدونا إلى أن نضفي طابع المعقولية على آرائنا
وقراراتنا اللامعقولة . ولكن من حيث انتمائنا إلى قطيع , ليس العقل هو
مرشدنا الحقيقي , وإنما يقودنا مبدأ مختلف تمام الاختلاف , وهو ولاؤنا
للقطيع .”
” وازدواجية
الفكر , والثنائية القائمة بين العقل وبين الذهن الذي يهدف إلى التبرير ,
هذان هما التعبير عن الثنائية الأساسية في الإنسان , وعن الحاجة إلى تعايش
القيد والحرية , وتفتح العقل وظهوره الكامل يعتمدان على بلوغ الحرية
الكاملة والاستقلال . وحتى يتحقق هذا , يميل الإنسان إلى قبول الحقيقة التي
تقررها الغالبية العظمى من الجماعة , وما يصدره من أحكام تحدده حاجته إلى
الاتصال بالقطيع , وخوفه من الانعزال , وقليل من الأفراد هم الذين
يستطيعون احتمال هذا الانعزال , وقول الحق على ما فيه من خطر فقدان الصلة
بالقطيع . وهؤلاء هم الأبطال الحقيقيون للجنس البشري , ولولاهم لكنا الآن
مازلنا نعيش في الكهوف … ويلزم عن هذا أن الإنسان لن يبلغ
القدرة التامة على الموضوعية والتعقل إلا إذا قام مجتمع للإنسان يعلو فوق
كل الانقسامات الجزئية بين الجنس البشري , وإلا إذا أصبح الولاء للجنس
البشري ومُثلُه العليا هو الولاء الأول في الوجود . “
” لا يستطيع
المرء الحكم على جماعته حكما نقديا إلا إذا تجاوز مرحلة الوشائج المحرمة ,
وقبل هذا لا يستطيع المرء أن يحكم على الإطلاق . ومعظم الجماعات – سواء
أكانت قبائل بدائية , أو أمما أو ديانات – لا تهتم إلا ببقائها , والتمسك
بسلطان زعمائها , فهي تستغل الحس الأخلاقي المتأصل في نفوس أعضائها
لتستفزهم ضد الأعداء الخارجيين الذين تحاربهم . بيد أنها تستخدم الوشائج
المحرمة لتجعل الشخص مقيدا بالأغلال الأخلاقية إلى جماعته , لتخفق هذا الحس
الأخلاقي والحكم , وذلك حتى لا ينتقد جماعته على ما ترتكبه من انتهاك
للمبادئ الأخلاقية , بينما تدفعه إلى المعارضة العنيفة إذا اقترف غيرها هذا
الانتهاك . “
بين دينين :
” ما قلته عن
نزعة الإنسان المثالية يصدق أيضاً على حاجته الدينية . فلا وجود لإنسان
بغير حاجة دينية , حاجة إلى أن يكون له إطار للتوجيه وموضوع للعبادة , بيد
أن هذا القول لا يخبرنا بشيء عن سياق خاص تتجلى فيه هذه الحاجة الدينية ,
فقد يعبد الإنسان الحيوانات , أو الأشجار , أو الأصنام من الذهب أو الحجارة
, أو إلها غير منظور , أ, إنسانا مقدسا , أو زعماء شيطانيين , أو ربما عبد
أسلافه , أو أمته , أو طبقته أو حزبه , أو المال , أ, النجاح , وقد يؤدي
به دينه إلى تطوير روح الدمار أو الحب , إلى التسلط أو الإخاء , أو ربما
ضاعف من قوة عقله أو أصابه بالشلل , وقد يدرك أن مذهبه مذهب ديني , يختلف
عن المذاهب الدنيوية , أو قد يظن أنه لا يملك دينا , وأن تكريس نفسه لأهداف
دنيوية مزعومة كالقوة أو المال أو النجاح – ليس شيئا آخر سوى اهتمامه
بالعملي والنافع , والمسألة ليست ” دين أو لا دين ” بل ” أي نوع من
الدين ” , هل هو من النوع الذي يساعد على تطور الإنسان وعلى الكشف عن قواه
الإنسانية الخاصة به كانسان , أم من النوع الذي يصيب هذه القوى بالشلل ؟
الحقيقة ستحررك :
” على الإنسان أن يكافح لمعرفة الحقيقة , ولا يمكن أن يصل إلى إنسانيته إلا بمقدار ما ينجح في هذه المهمة
. ولابد أن يكون مستقلا وحرا , وغاية في ذاته , لا وسيلة لأغراض أي شخص
آخر . وينبغي عليه أن يربط نفسه بإخوانه البشر مدفوعا بالحب , فإذا لم يشعر
بالحب , كان قوقعة خاوية حتى لو امتلك القوة كلها , والثروة كلها ,
والذكاء كله . يجب على الإنسان أن يعرف الفرق بين الخير والشر , وعليه أن
يتعلم كيف يستمع إلى صوت ضميره , وأن يكون قادرا على إتباعه . فمن المؤكد
أن مساعدة الإنسان على تمييز الحق من الباطل في نفسه هو الهدف الأساسي
للتحليل النفسي , وهو منهج علاجي يعد تطبيقا لهذه العبارة : ” ستجعلك الحقيقة حرا
” . وفي كل من التفكير الديني الإنساني , والتحليل النفسي , تؤخذ قدرة
البحث عن الحقيقة على أنها مرتبطة ارتباطا لا انفصام له بالوصول إلى الحرية
والاستقلال . “
_____________________________________________
هامش :
(*) هذه
اقتبسات من كتاب ايريك فروم ” الدين والتحليل النفسي ” وهو كتاب ممتع يسهب
في تحليل العلاقة بين الدين والتحليل النفسي , أكتفي هنا باقتباس تلك
المقاطع التي تشير إلى العلاقة بين التحليل النفسي والسياسة أو الدولة .
وقد تركت النصوص تتحدث عن نفسها ولم أتدخل إلا في ترتيب هذه النصوص وإضافة
العناوين . أخيراً هذه الاقتباسات لا تغني عن قراءة الكتاب .

لتحميل الكتاب اذهب إلى : عصير الكتب
ليست هناك تعليقات