أخبار الموقع

لحظة وداع


لحظة وداع - قصة قصيرة 
 بقلم : سماح بادبيان

ما أكثر اللحظات الصعبة في الحياة !
ولكن ليس هناك أصعب من لحظة يُبتر فيها جزء منك, أو تُسلَب فيها قطعة من كيانك ..!!
وقفتُ أمام البوابة بجسدي دون عقلي , صافحت كل يد امتدت لتشدَّ على يدي , ولثمتُ على خد من لثمتني ..لا أعلم إن كان من أمامي يهنئ أم يعزي, لكن حتما كانت روحي منزوية في ركن من قلبي تبكي مصيبتها بصمت .. وترثي قطعة منها ترجوها أن تبقى ولا تجرؤ على البوح ..
انسحبتُ بهدوء إلى غرفة المرايا, ووقفتُ أتأمل ملامحي عليها ...
صبغتُ وجهي بالألوان لأطمس معالم الحزن على صفحته, فتجهم قلبي نيابة عنه, وراح عقلي يسبح عبر بحار الماضي العميقة تتقاذفني أمواجه لتقف بي عبر مرافئ الزمن, وتغمر روحي في عطر اللحظات الجميلة ليفوح عبير الذكرى ويوقف لدقائق عجلة الزمن ..
صدى صوتها الصغير يرنُّ في مسامعي .. يتردد في جوانب عقلي كنغمة جميلة, فأحتضنها بلهفة وشوق ..منذ اللحظة التي سكنت فيها بين يدي .. بعثرتُ مشاعري كلها نحو الجميع, لأعيد ترتيبها بشكل مائل لتصبَّ نحوها وحدها .. فغمرتها بفيضان الحب والحنان , وأسبغت عليها مقادير لا تحصى من خوفي قلقي , ومع أول خطوة خطتها على الأرض وهي تتشبث بأصابع يدي أسدلت عليها ستارة لا ترفع من الرعاية والاهتمام, وأسكنتها في ركن واسع من قلبي, لتصبح سيدته الأولى من دون منافس .
جعلتها أميرة في مملكتي الصغيرة, وسعيت بعزم لأجعل من أحلامها واقعا يمشي ..
راقبتها بشغف وهي تحبو وتسحب , تمشي وتتعثر , تجري وتلعب , ثم وهي تقرأ وتكتب..
أختلس النظرات إليها عندما تأوي إلى فراشها وقد هجر جسدها النامي مأواها القديم الآمن بين أحضاني ..فتبدو لي كملاك راقد على سحائب مملكة الأحلام ..أتلمس شعرها الأسود الناعم.. وأستمتع بنغمة أنفاسها المنتظمة الهادئة .
اتخذتها صديقة ورفيقة, شاركتها أفكارها, أمالها, وتطلعاتها, بل وكل أحداث حياتها , فإن لم أكن معها تقُصُّ عليَّ إن عادت كل ما جرى لها .!!
كانت معي في كل خرجاتي وزياراتي .. ولم تفارق يدها يدي !!
سمعت أصوات الزغاريد ترتفع ..فخرجت إلى القاعة ..
تأملتها من بعيد.. ابتسامتها الساحرة تسلُبني لبي, وهاهي ذي توزعها على الجميع كيفما اتفق, تختال في ثوبها الفخم كسندريلا في نهاية قصتها, فهل تكون هذه نهاية قصتي معها ؟
التفّ الجميع حولها يتغنون ويضحكون ..وبقيت في الركن البعيد وحدي, أكتفي بتأملها بصمت, وأخشى إن اقتربت خذلان عينيّ .. واستسلامهما لسحائب الدموع المتجمعة بكثافة .. فتهطل أمطارها الغزيرة مفسدة أجواء الفرح, معلنة سريعا بداية النهاية ! .. ومازلتُ أرجو اللحظة الحالية أن تمتد إلى ما لا نهاية !
كانت واضعة يدها في يده, تزين وجهها ابتسامة رضا وسعادة, وقد تورَّد خدها الأبيض حياء, سارا جنبا لجنب على السجادة الحمراء, كل خطوة يدنيان بها مني.. يُعلن بها عن نهاية رحلتها معي وقرب الفراق !!.. وأنا التي أذوب شوقا لها إن غابت ساعات عني , فكيف بها تغادرني إلى الأبد ؟؟
كيف اختصر الزمن السنين حتى صار الجسد الصغير الذي كان يقبع بين يدي, قامة تتسامى في الارتفاع على قامتي ؟!!
وقفتْ أمامي ووضعت يديها على كتفي تتأمل ملامحي ..تقرأ مشاعري..ترى بعين قلبها الذي خفق له قلبي أطياف دمعاتي الحبيسة, فتأبى إلا أن تحولها حقيقة !!
قبَّلت رأسي, وشممتُ رائحة عطرها الفواحة وهي تدفن وجهها بين أحضاني للمرة الأخيرة , وهمست لي:
- أحبك ماما ..
فانهزم كبريائي العتيد أمام كلماتها الرقيقة .. وغُسلت ألوان الفرح بفيضان الدموع المنهمر رغما عني !
وطال العناق ....
حتى وضع يديه على كتفيها بحنان وانتزعها من بين يدي , وصافحني بقوة ..ثم طبع هو الآخر قبلة على جبيني وهمس في أذني :
- شكرا لأنك أنجبتي لي هذا الملاك..
وعادت يداهما تتشابكان ... ليكملا طريقهما مبتعدان عنّي..
تسمّرتُ مكاني أحملق بذهول في أجسادهما المتلاشية من أمامي ... ثم في السيارة المبتعدة ... لفَّ المكان سكون موحش بعد أن غادر الجميع ...ومازلتُ واقفة أحملق في خيالها المختال أمامي .. واستنشق بقايا عطرها العالقة في الهواء !
شعرتُ فجأة بيد قوية تضمني , وتمسح سيل دمعاتي ..
- أما زلتي هنا .. أنتظرك منذ ساعة في السيارة؟
كان واقفا بقربي ..تحيط إحدى ذراعيه بي بقوة ..وتمسح الأخرى دموعي بلطف !
شعرات رأسه السوداء تنازع للظهور وسط البياض الطاغي عليها , وكأنما هي بقايا الليل تتوارى بخجل خلف أنوار الصباح !!
أسكنت رأسي المثقل بالهموم على صدره الواسع , هامسة بصوت هدّته الدموع :
- لقد كانت روح سعادة تسري بيننا, فكيف سأطيق الحياة دونها ؟؟
فهمس بدوره لي :
- هكذا هي الحياة يا حبيبتي ... فكما تركتِ منزل أهلك يوما إلى منزلي ..حان الوقت الذي تترك به صغيرتنا منزلنا إلى منزل من اختارته شريكا لحياتها ..
طبع قبلة دافئة على جبيني, وهو يجرني من يدي بلطف إلى السيارة , وما زالت ذراعه الأخرى تحتويني بقوة ...

حينها تسللت إلى وجهي طيف ابتسامة, كسرت قيود الحزن الجاثمة على قلبي ..معلنة إعادة ترتيب اتجاهات مشاعري من جديد !!. 

ليست هناك تعليقات