أخبار الموقع

النبوة .. محاولة في إعادة بناء العقائد [قراءة في كتاب الدكتور علي مبروك]

غلاف كتاب النبوة - د. علي مبروك

النبوة .. محاولة في إعادة بناء العقائد [قراءة في كتاب الدكتور علي مبروك]

كتب : ممدوح مكرم*

توطئة

مبحث النبوة من المباحث التي عالجها علم الكلام الإسلامي باستفاضة، لأنها البؤرة التي انطلقت منها الرسالات السماوية، وهي تعبير عن الجدل بين الإلهي والإنساني (ديالكتيك السماء والأرض إنْ جاز التعبير)، وتعددت الآراء بشأنها ما بين مثبتٍ لها وبين نافٍ لها (نموذج أبو بكر الرازي في مخاريق الأنبياء) وفريق ثالث حاول أنْ يجد تفسيرات فلسفية ببعديها: العقلاني، والغنوصي الصوفي (الباطني) ونجد هذه النظرة عند فلاسفة ومتصوفة الإسلام الكبار (كالكندي، والفارابي، وابن سينا، ومحيي الدين بن عربي، ….وآخرون) وظلت النبوة مثار أخذٍ ورد وهو ما سنتحدث عنه بعد هُنَيهةٍ في هذا المقال، حيث نتناول بالقراءة دراسة مهمة للغاية قدمها الراحل المفكر الصديق الدكتور علي مبروك والتي تحمل عنوان: النبوة: محاولة في إعادة بناء العقائد.

[1]

من صفحات مجلة أدب ونقد اليسارية (عندما كان هناك يسار يهتم بالثقافة  والفكر)، كنت أقرأُ مقالات الدكتور على مبروك، واسمه ضمن قائمة هيئة التحرير في المجلة (أو ضمن هيئة المستشارين)، كان لهذه  المقالات واقع الأثر بما تحمله من عمق فكري، وسبك متين في العرض  والأسلوب من حيث بنيتها اللغوية، وجرأتها من حيث ما تطرحه من قضايا إشكالية متعلقة بالتراث الإسلامي، ومن هنا بدأت أقرأ الدكتور علي مبروك بشكل منتظم (مقالات متنوعة) ثم وقع في يدي كتاب <<الإمامة والسياسة>> الذي تناول فيه الخلافة والإمامة بين النسق الأشعري، والنسق المعتزلي، وبالتأكيد استدعى الحديث النسق الشيعي، توغلت أكثر مع هذا المفكر الذي كان يعمل أستاذاً للفلسفة بكلية الآداب، جامعة القاهرة، حتى وصلت لكتابه (دراسته حول موضوع النبوة).

الدكتور علي مبروك جمع خبرة بين نسقين كبيرين في التمذهب الإسلامي، الأول: النسق الأشعري (أطروحته العلمية كانت عن أبي الحسن الأشعري: المؤسس للفرقة) والثاني: النسق المعتزلي (لما لهذا النسق من علاقة وطيدة بالنسق الأول) فالأشعري بدأ حياته معتزليًا، من تلاميذ الجبائي (وهو زوج أمه في ذات الوقت) وهو ما حدا بأنْ ينحو مفكرنا بأن يدرس الأشعري دراسة فرويدية (نفسانية) لفهم تحوله من النقيض إلى النقيض في علاقته بالجبائي (الأستاذ وزوج الأم)ّ!! قدَّم على مبروك الذي رحل عن عالمنا في مارس/آذار 2016م، العديد من الكتب بخلاف الدراسات، والمقالات (كان له مقال أسبوعي في الأهرام ) من أبرز أعماله بخلاف ما ذكرناه قبل قليل، وذلك على سبيل المثال:-
  1. لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا.
  2. ما وراء تأسيس الأصول: مساهمة في نقد أقنعة التأسيس.
  3. الخطاب السياسي الأشعري: نحو قراءة مغايرة.
  4. السلطة والمقدس: جدل السياسي والثقافي في الإسلام.
  5. ثورات العرب: خطاب التأسيس.
وأعمال أخرى كثيرة، كلها تخدم ذات المشروع الفكري والثقافي لمفكرنا الراحل، الذي يُعد امتدادًا لجيل المفكرين التنويريين، هو كان يعتبر نفسه تلميذاً وامتدادًا للراحل المفكر الدكتور نصر حامد أبو زيد.

[2]

النبوة: محاولة في إعادة بناء العقائد

"من هنا يصبح الانتقال بالنبوة، من كونها أحد مباحث علم  العقائد، إلى كونها فلسفة للتاريخ، تتكشف عن ضربٍ من المقاصد الواعية، التي تتحكم في التاريخ وتفسر حركته" (د. علي مبروك، النبوة: محاولة في بناء العقائد، صـ 56)
يقع الكتاب في 302 صفحة من القطع المتوسط، وصدر عن دار التنوير للطباعة، 2007م نشر، يضم  الكتاب:مقدمة وبابين، وخاتمة.

يقول في المقدمة: "يدرس هذا الكتاب مبحث النبوة، كما تجلى في علم الكلام الإسلامي من خلال أنساقه المعرفية والأيديولوجية الرئيسية [الشيعي، الأشعري، المعتزلي] وهو يمهد لهذه الدراسة بمحاولة تجلية مبحث النبوة في التاريخ الديني السابق على الإسلام، وذلك بقصد إيضاح الطبيعة الإنسانية والتاريخية لظاهرة النبوة، وللوعي  الديني إجمالا"

في الباب الأول: الذي عَنَّونه بـ فكرة النبوة وبناؤها الانثربولجي (الإنساني) في اللغة والتاريخ. وتناول هذا العنوان في تمهيد وفصلين، في التمهيد تحدث عن: مفهوم اللغة بوصفه مدخلا لتكوين نسق شامل، ومفهوم التاريخ بوصفه إطارًا للفعل الإنساني (النبوة: صـ 11).


الفصل الأول من هذا الباب: تناول النبوة والنبي: دراسة لغوية، يقول <<هيدجر>>: "في الكلمة وحدها، في اللغة وحدها، تصبح الأشياء وتكون” (مارجوري جرين، هيدجر، ت: مجاهد عبد المنعم مجاهد، بيروت، 1973م، صـ 1100) [النبوة:15]

وتحت هذا العنوان تناول: النبي في اللفظة العربية، وناقش الخلاف المعتزلي الأشعري حول اشتقاق الكلمة، هل هي من (نبأ) ومنها النبأ: أي الخبر، أو من النباوة: بمعنى الارتفاع، وما أثار الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة عند التعريف الاصطلاحي للنبوة! ثم تحدث عن المجال الدلالي للفظة النبي، وتطور هذه الدلالة، والانتقال من النبي إلى الرسول في رصد تطور دلالات اللفظة.

وينتقل لمناقشة اللفظة في اللغات الأجنبية (العبرية، الإغريقية، اللاتينية، والإنجليزية)، وينهي بذلك هذا الفصل الذي خصصه للمستوى اللغوي.

الفصل الثاني: تاريخ النبوة

"إنَّ الإله الحق يجب أنْ يكون إله التاريخ"

[ بول تيليش، زعزعة الأسس، ط الإنجليزية، نقلا عن تيلش، الشجاعة من أجل الوجود،  مقدمة الترجمة العربية، صـ 8]  يقول الدكتور على مبروك في تمهيده لهذا الفصل:

 "ولهذا يكاد تاريخ أي ظاهرة، أنْ يكون جزءًا من الظاهرة نفسها، ولا يعني التاريخ هنا مجرد حشد، يخلو من الدلالة والقصد لعناصر الظاهرة في الزمان، بل يعني بالأحرى: محاولة بناء عناصر الظاهرة في الزمان بغرض الكشف عن دلالة وقصدٍ واعٍ يكمن خلفها" (النبوة: 55).

وهو يرى أنَّ النبوة عامة غير مخصوصة بشعب دون آخر، وبعصر دون عصر(صـ 56) وهو يفرق بين نمطين للنبوة:- الأول: النمط المثيولجي: وهو النمط البدائي المرتبط بالطبيعة، ومراحل الإنسان الأولي، والثاني: النمط الديني: وهو النمط المتطور الذي ارتبط بظهور المدن والحضارة، في النمط الأول كان هناك صعود من الإنسان إلى الله، أي أنَّ الإنسان هو صاحب مبادرة التواصل مع الآلهة، وتختلف من بيئات زراعية، لبيئات صحراوية/ رعوية، أما الثانية: فكانت المبادرة من الإله نفسه لمخاطبة البشر عن طريق أحد المصطفين منهم (جدلية هابطةـ الأولي جدلية صاعدة).

وتحدث في هذا الفصل عن: النبوة في مصر القديمة، نبوات  الشرق القديم، نبوات الشرق الأقصى (الهند والصين)، عند الإغريق، النبوة والكهانة عند العرب قبل الإسلام، أخيرًا: النبوات البدائية. وبذا ينهي هذا الباب، لينتقل للباب الثاني: النبوة: البناء العقائدي الخاص والذي ضم ثلاثة فصول.

بدأ بتمهيد، ثم الفصل الثالث: نشأة البحث  الاعتقادي في النبوة،  وتناول قضية قضية الإمامة في مبحث: من الإمامة إلى النبوة، في الفصل الرابع: تناول النبوة عند الأشاعرة، وفي الفصل الخامس: النبوة عند المعتزلة، وخاتمة الكتاب.

[3]

إذن  الكتاب يؤسس لنظرةٍ جديدة لمفهوم النبوة  بهدف بناء العقائد وفق معطيات عقلانية تاريخانية، و ليست لاهوتية فقط، وفي نفس الوقت يقوم المؤلف بتفكيك بنية العقل العربي-الإسلامي لمعرفة أنساقه التي تحكمت به وأوصلته إلى مستنقع الجهل والتخلف؛ مما تسبب في غياب ملكة النقد وروحه في مباحث الإسلامو-لوجيا، وهو ما أدي لتخشب الخطاب الديني ولغته، وتحنيط الفكر ورفض كل تجديد حتى في إطار حاوية الإسلام نفسها، حيث تم إزاحة المعتزلة، وتكفير كل من يختلف مع المذهب الرسمي( أهل السنة والجماعة) الذي صكه الأشعري.

واستخدم المؤلف عدة منهجيات متداخلة: استخدم البنيوية، والمنهج المقارن، والنزعة الانثربولوجية، و الديالكتيك الماركسي في رصد النبوة كظاهرة اجتماعية تاريخية قبل أنْ تكون لاهوتية، كجزء من حركة التاريخ وتطور المجتمعات.مع أهمية رصدها في الشرق الأدني حيث ظهر ما يعرف بالنبوات الدينية (الأكثر تطورًا) بدءًا باليهودية، ومرورًا بالمسيحية ثم الإسلام، ويصل مؤلفنا إلى: أنَّ النبوات الدينية لم تقطع بشكل مطلق مع النبوات البدائية في المجتمعات الوثنية، ولم تقطع مع العرافة والكهانة كتجليات للنبوات البدائية والوحي البدائي، ويضيف في هذا الإطار: أنَّ الإنفصال الذي حدث بين الله والإنسان (بعد طرده من الجنة ممثلا في آدم) جعلت الإنسان يشعر بالإغتراب، وهو ما استوجب أنْ يكون تواصل بين الله والإنسان عن طريق الوحي لجسر الهوة بين الطرفين، أما في الشرق الأقصى لا نجد أثرًا لظاهرة النبوة لأن الإتصال بين الله والناس لم ينقطع وفق نظرية وحدة الوجود، الله، الإنسان، الطبيعة شيءٌ واحد، الإنسان الشرق أقصوي (إنسان باطني بإمتياز) وهو ليس بحاجة لأنبياء أووسطاء كما في الشرق الأدنى حيث سادت أفكار الخطيئة الأولى ونزول الإنسان من السماء إلى الأرض!

على كلٍ كتاب جدير بالقراءة، وجدير بالتمعن، تحية عطرة لروح أستاذي وصديقي الدكتور علي مبروك.

*باحث مصري

ليست هناك تعليقات