سينما الحياة الجديدة,, رياض حمادي
سينما الحياة الجديدة
للكاتب:رياض حمادي

سينما باراديسو الجديدة Nuovo Cinéma Paradiso
هذا فيلم لا ينبغي لأحد أن يموت قبل أن يشاهده وإن شاهده لن يفكر إلا بالحياة.
رياض نسيم حمَّادي
مدخل
هذا الفيلم لا يبلى لكثرة مشاهدته وتقادم
الزمن عليه, ولا يحترق بالحديث عنه لآخرين لم يشاهدوه, وذلك لتفاصيله
الصغيرة التي لا تقال. أما خطوطه العريضة فيمكن سردها على النحو التالي:
عن طفل اسمه توتو يحثه ألفريدو على الرحيل
إلى روما وعدم العودة إلى البلدة. بعد ثلاثين عاماً تتصل أمه وتخبره عن
وفاة ألفريدو وموعد جنازته. وقبل أن يعود توتو بجسده عاد بروحه وذكرياته
إلى أيام طفولته ومراهقته, والمسافة الزمنية بين توتو الطفل وتوتو صانع
الأفلام الشهير هي الفيلم كله الذي يجب أن يُشاهد لا أن يُقال, أو يُقرأ
عنه.
العنوان
العنوان عتبة
للولوج إلى النص, وعنوان النص السينمائي هنا يتكون من ثلاث كلمات لها
دلالات تربط بين عالم الخيال, الذي يمثله العنوان (سينما براديسو الجديدة),
وعالم الواقع, فينتج العنوان (سينما الحياة الجديدة) أو (جنة الحياة
الجديدة) على اعتبار أن معنى براديسو في الأصل تعني جنة أو فردوس. وسنجد في
سياق هذا المقال ما يدعم هذا التداخل بين عالم الخيال الذي تمثله سينما
براديسو وبين عالم الواقع الذي تجسده شخصيات الفيلم وتُجسِّدنا في الوقت
نفسه.
قضايا سياسية واجتماعية ودينية
مدة الفيلم
ساعتان وثلاث دقائق يتقاسمها توتو الطفل وتوتو اليافع بالتساوي, أما توتو
أو سلفاتوري البالغ فقد تمثل دوره في استعادة أيام صباه ومراهقته بحلوها
ومرها, خصوصاً تلك التي تربطه بألفريدو, ثم عودته في نهاية الأحداث إلى
مسقط رأسه. ويمكن تحديد ثلاث قضايا يتعامل معها الفيلم, اجتماعية وسياسية
ودينية, تتداخل وتتطور في شبكة علاقات من مرحلتين, يقوم فيها المجتمع بدور
الدمية والدين ثم السياسة والمال بدور الخيوط المحركة.
تسود في
المرحلة الأولى سلطة رجال الدين؛ نظراً لانشغال السلطة السياسية بالحرب
العالمية الثانية. وهناك مشهدان يلمحان إلى موقع السينما في قلوب الناس في
مقابل الكنيسة والمدرسة. مشهد القس وهو يؤدي قُداس المساء وتوتو ممسك
بالجرس وهو ينعس, ومشهد التلاميذ وهم في المدرسة. فالكنيسة والمدرسة
تُشْعِران المرء بالملل أما السينما فمكان لقضاء أمتع الأوقات. هذا الموقف
السلبي من الكنيسة سببه سلطة القمع التي تمثله الكنيسة. فالقس في المرحلة
الأولى يقوم بدور الرقيب على السينما, يشاهد الأفلام قبل عرضها ويقتطع منها
مشاهد القبل والمشاهد التي يعتبرها مخلة بالذوق وخادشة للحياء. يقول رجل
أثناء عرض فيلم في سينما باراديسو: "عشرون عاماً أذهب إلى السينما ولم أر
قبلة واحدة".
بانتهاء
الحرب تبدأ المرحلة الثانية فتتفرغ السلطة السياسية المرتبطة بسلطة المال
لشؤون المجتمع وتصبح هي المتحكمة في سير الأمور. احتراق مقر السينما ثم
ترميمها وتجديدها وافتتاحها هي اللحظة الفارقة بين المرحلتين: زمن ألفريدو
العجوز وزمن توتو الطفل ثم المراهق. تنتهي المرحلة الأولى باحتراق السينما
فيصاب ألفريدو بالعمى نتيجة الحروق, قبل أن يتمكن توتو من إنقاذه. ويدل
إنقاذ توتو لألفريدو على حب ووفاء ورد للجميل, في مقابل فرار الآخرين دون
أن يفكروا في إنقاذه مع أنهم سبب غير مباشر في إشتعال النيران. ويشير هذا
العجز إلى السبب الذي جعل مصير المجتمع واقعاً بين سلطتين تتناوبان على
توجيهه, وسيختتم الفيلم بعجز مماثل هو وقوفهم أمام سينما براديسو دون حراك
وهم يشاهدون حلمهم الجميل, المكان الذي قضوا فيها أحلى سنوات عمرهم, تهدمه
البلدية.
يمكن القول
أن توتو هو تجسيد لشخصية ألفريدو فيما لو سلك المسار الذي سار عليه, والعكس
صحيح. يقوم توتو بدور محوري وكذلك ألفريدو الذي تأتي على لسانه عبارات
بليغة تلخص خبرته في الحياة التي استقى معظمها من الأفلام, ولذا سنجده يقوم
بدور الموجه والمرشد لتوتو لأنه ما زال بحاجة إليه, فإصابته بالعمى لم
تمنعه من الاستمرار في هذا الدور, فهو كما يقول “الآن وقد فقدت بصري, أصبحت
أرى بشكل أفضل”. منذ طفولته يحثه ألفريدو على الرحيل إلى روما, وحين يبلغ
مرحلة المراهقة يحثه أكثر على الرحيل وأن لا يعود مجدداً, فألفريدو يخشى
ضياع عمر توتو في السينما مثلما ضاع عمره عازباً وعازفاً عن الحياة في سبيل
إسعاد الآخرين الذين لم يفكروا في إنقاذه عندما شب الحريق وفكر كل واحد في
نفسه.
يخاطب
ألفريدو توتو قائلاً: “لا ترجع, لا تنظر إلى الوراء, لا تغرق في الحنين إلى
الماضي, انس كل شيء… لا أريد أن أسمعك, أريد أن أسمعهم وهم يتحدثون عنك”.
يريد ألفريدو لتوتو أن يحيا حياة الواقع لا حياة الخيال, فالحياة, كما
يخبره "ليست كما في الأفلام, الحياة أكثر صعوبة".
مع بداية
المرحلة الثانية ينسحب رجل الدين بعد مشاهدته لمشهد أول قبلة على الشاشة,
وبهذه القبلة يتم تدشين المرحلة الجديدة التي تظهر فيها سلطة المال ممثلة
في الرجل الثري الذي يعيد ترميم السينما ويزودها بآلات حديثة وإشراف توتو.
ويرمز إشراف توتو على إدارة العرض في السينما إلى الجيل الجديد حيث سيتمكن
المشاهدون في هذه المرحلة من مشاهدة ما هو أكثر من القبلة, ومع هذا التحول
لن يُلغى دور الرقابة ولكن ستتحول من رقابة دينية إلى رقابة سياسية
واقتصادية.
في مشهد مؤثر
ودال يمرر ألفريدو يده على وجه توتو وهو طفل, وفي لحظة يغادر توتو الطفولة
ويظهر وجهه وهو في سن المراهقة. لمسة يد ألفريدو لوجه توتو ونقله من
الطفولة إلى المراهقة لها دلالة كبيرة تشير إلى الدور الذي لعبه ألفريدو في
حياة توتو, فهو بالنسبة له الصديق والأب الذي عوضه فقدان أبيه في الحرب.
مع بلوغ توتو
مرحلة المراهقة ستزيد مساحة الحرية وسيتم عرض مشهد لبريجيت باردو وهي
عارية تماماً في أحد الأفلام. هذا الانفتاح الاجتماعي يسير بموازاة انفتاح
سياسي واقتصادي وتراجع لسلطة رجال الدين, وكأن الرقابة التي كانت مفروضة
مؤشر على طغيان الديني على الاجتماعي. وفي ذلك إشارة إلى مرحلة حياة جديدة
تعكسه السينما من خلال عنوان الفيلم (سينما باراديسو الجديدة).
الواقع والخيال
تصور سينما
براديسو حياة المجتمع الإيطالي ومراحل تطوره على أرض الواقع, وبالنظر إلى
سير أحداث الفيلم يمكن اعتباره تطوراً سلبياً أو طبيعي نتيجة للمتغيرات
الجديدة, فمع المرحلة الجديدة ستتحول السينما إلى ماخور, بعد أن كانت
مكاناً لحب عذري بين حبيبين. ففي المرحلة الأولى ثمة مشاهد ترصد تطور
العلاقة بين شاب في الدور الأرضي وشابة في الدور العلوي, يكتفيان بنظرات
الوله كلما أغمض المتفرجون أعينهم أثناء مشاهد الرعب على الشاشة, وفي لقطات
تالية تتخلل الفيلم ستكلل هذه النظرات بزواجهما ثم إنجابهما. في المرحلة
الجديدة ثمة مشهد لفتاة هوى تستعمل حمام السينما كمكان لمواعدة الرجال.
وهناك أمثلة
أخرى لهذا التحول منها لقطات لرجل وهو يبصق من الدور العلوي على المشاهدين
في الدور الأرضي, لكن فعله يقابَل باستهجان لفظي فقط, تتكرر البصقة مرات
فتُقابل بالرد اللفظي نفسه. أما في المرحلة الجديدة فسيتطور الكلام إلى فعل
ويقذفونه بشيء يبدو كالبراز. ولهذا التطور دلالاته التي تفيد انتقال مستوى
السلوك من القول إلى الفعل.
مثال آخر
نجده في لقطات لرجل لا يأتي للسينما إلا من أجل النوم, ولهذا دلالة تفيد
مدى الحميمية والراحة التي تمثلها السينما والتي تقوم مقام البيت. كان
الرجل في المرحلة الأولى ينام بسلام أثناء عرض الفيلم مع قليل من منغطات
كلامية يرد عليها بعبارته الوحيدة “سأصنع منكم لحماً مفروماً, سأصفي حسابي
معكم”. أما في المرحلة الجديدة فيضعون في فمه صرصاراً.
السينما والحياة
سينما
باراديسو, في نظر روادها, ليست مكاناً لعرض الأفلام فقط ولكن لممارسة
حياتهم ومشاهدتها وهي تنمو بين جنباتها. فالأفلام هنا لا تفقد بريقها ولا
تأثيرها مع مرور الزمن. ومع تكرار مشاهدتها يتمكن البعض من حفظ الأدوار
وأدائها وتقمص شخصياتها ويظهر ذلك في مشهد يذرف فيه المتفرجون الدموع
وبينهم رجل يحفظ عبارات الفيلم عن ظهر قلب ويؤديها بشكل حزين وأكثر
انفعالاً وإقناعاً من الممثل الذي يؤديها على الشاشة, وهو مشهد يبين تماهي
الحقيقة والخيال, السينما والواقع.
السينما حياة
موازية وأداة للمعرفة, نجد ذلك عندما تكذب أم توتو عليه وتخفي عنه مصير
والده لكنه يعلم حقيقة موته من السينما التي لم تكن تعرض الأفلام فقط وإنما
أخبار الحرب كذلك. والسينما وسيلة لنسيان الهموم, نجد ذلك في مشهد لتوتو
وهو يسير بصحبة أمه والحزن بادٍ عليهما بعد إعلان خبر مقتل الأب واختفاء
جثته, وحين يرى توتو بوستر فيلم على الجدار يشرق وجهه بابتسامة.
والسينما
تحقق الأمنيات, نرى ذلك في مشهد لتوتو وهو يتمنى انتهاء الصيف الكئيب بأسرع
وقت ممكن ليتمكن من رؤية حبيبته. يقول "لو أن الحياة فيلم لأمكن إنهاء
الصيف بضوء خافت, قطع ثم رياح خفيفة", في تلك اللحظة يلمع البرق وينزل
المطر ويتفرق المشاهدون وتأتي حبيبته (إلينا) لتقبله وكأنها هبطت مع المطر.
في مرحلة
تالية ستذهب السينما إلى الناس في عروض مكشوفة في الساحات العامة في دلالة
على تغير مفهوم السينما من مكان حميمي, يحرص الناس على الذهاب إليه, إلى
الساحات المفتوحة. هذا التغير هو الذي مهد في الأخير لهدم السينما من قبل
البلدية وتحويلها إلى جراج. ويمكن أن نجد في خروج الناس من سينما باراديسو
ثم هدمها رمزية تشير إلى سقوط الإنسان من الجنة, على اعتبار أن (باراديسو)
تعني الفردوس, وثمة لقطة في نهاية الفيلم تدعم هذا التأويل وهو خروج
المجنون من الساحة التي كان يعتبرها ملكاً له, حيث خروج المجنون يحل محله
العقل العملي المتمثل في استعمال السينما, بعد أن صارت مهجورة, لشيء فيه
مصلحة.
ما كان
متخيلاً في (سينما باراديسو) حدث في الواقع بعد سنوات قليلة, عام 1992. في
هذا العام "بيعت معدات شينيشيتا وتحهيزاتها بالمزاد العلني. وكان ذلك
بالنسبة إلى فيلليني قرع جرس الموت للمكان الذي كان يعتبره بيته… إن
الانهيار الذي أصاب شينيشيتا كان إشارة إلى ما ينتظر صناعة السينما
الإيطالية من أوقات عصيبة… لم يُعرض الجمهور في أمريكا والعالم فحسب عن
مشاهدة الأفلام الإيطالية, بل أعرض الإيطاليون كذلك. وتوقف الأمريكيون عن
صناعة الأفلام في إيطاليا التي تحولت من أرخص مكان للعمل إلى أغلى مكان.
وأخيراً لم يكن الانهيار المفاجئ للحكومة, ودخول قادة سياسيين ورجال أعمال
إلى السجن, لم يكن ليعزز مكانة شينيشيتا كقبلة لصناعة الأفلام." (أنا
فيلليني 465). ألم يقل ألفريدو إن "التقدم يأتي بعد فوات الأوان", وأن
الحاضر حين يهدم الماضي الجميل ليس بوسع الحنين إليه أن يعيده.
الحنين إلى الماضي
الفيلم
إجمالاً دعوة إلى العيش في حياة موسومة بالتغير إذ أن الحنين لن يجدي في
إيقاف سيرورتها وصيرورتها. تتظافر عناصر الفيلم في نسيج يمكن تلخيصه في
كلمة واحدة هي الحنين, الحنين إلى الماضي حيث الزمن الجميل, أو ما نعتبره
جميلاً, فالماضي دائماً جميل طالما نتذكره بخير. الماضي جميل لأننا لا
نتذكر منه سوى اللحظات الجميلة, ويمكن للحاضر أن يكون أجمل لو صنعنا فيه
ذكريات سعيدة, وهذا ما ينجح الفيلم في توصيله بلغة غير مباشرة بداية
بالعنوان إلى مضامين أحداثه, وتلعب الموسيقى التصويرية, التي ألفها (Ennio Morricone) دوراً كبيراً في التعبير عن ذلك الحنين.
ثمة رسالة
تتنبأ بحاضر سيؤول إلى ماض, نجدها في تحذير ألفريدو لتوتو. يقول ألفريدو
مخاطباً توتو "هنا تعيش يوماً بيوم معتقداً أنه مركز العالم. تعتقد أن لا
شيء سيتغير أبداً, ثم تغادر لسنة أو لسنتين. وعندما تعود ستجد كل شيء وقد
تغير وانقطع الخيط, وما عدت لتبحث عنه لن تجده, وما كان ملكك قد اختفى.
عليك أن ترحل بعيدا لزمن طويل, وبعد سنوات عديدة, يمكنك أن تعود إلى ناسك
وأرضك, لكن الآن لا, مستحيل. الآن أنت أشد مني عمىً."
وتحذير توتو
هو تحذير للمتلقي كي لا ينظر إلى الوراء, أو أن ينظر إليه بحياد كما فعل
توتو بعد عودته وهو يوجه نظراته للمحيطين ولسينما باراديسو دون أن تبدر منه
أي علامة حزن أو محاولة لمنع الهدم أو للاعتراض عليه. تلك النظرات
المحايدة التي يوجهها توتو هي حصيلة ما علمه ألفريدو, لقد قال له: "أياً
يكن الفعل الذي فعلته أحببه".
هي دعوة لكي
نحيا ببساطة ولا نندم على شيء مضى أحببناه. فالحياة تضيع أحياناً في
التخطيط لها وننسى الحاضر الذي يستحق أن يعاش. وهذا ما لم يكن يؤمن به توتو
المراهق وهو يخطط لمستقبله مع حبيبته إلينا, لكن إيلينا تؤكد ما قاله
ألريدو فتخاطبه: "لا يا سالفاتوري, لا يوجد مستقبل. لا يوجد سوى ماضٍ, حتى
لقاء ليلة البارحة لم يكن سوى حلم, حلم جميل. عندما كنا صغاراً فنحن لم
نلتق, هل تتذكر؟ والآن وقد حدث لا أتخيل نهاية أفضل".
نظرات توتو
المحايدة بعد عودته وتعدد علاقاته بالنساء دليل على أنه قد استوعب الدرس,
لم تعد إلينا سوى صورة محفوظة في فيلم التقطه أيام مراهقته. مثلما أن
مغادرة المجنون للساحة فيها دلالة تفيد حلول العقل مكان الجنون حيث لا يقيم
العقل العملي للحنين أي حساب عندما تقتضي المصلحة هدم السينما.
أنت و توتو
لا يوجد وصفة
لنجاح أي فيلم, بحسب فيلليني, سوى حب الناس له, إذ "ينبغي أن يتماهى, أن
يتعاطف, أن يتقمص. ينبغي أن يكون الجمهور قادراً على ولوج الفيلم, والحلول
محلي, أو محل بعض الشخصيات على الأقل" (أنا فيلليني 199). ومن آثار هذا
التماهي والتعاطف سيجعلك الفيلم تضحك وتبكي؛ لأنه استطاع أن يخاطب روحك.
ومن منظور
التماهي أجد توتو, من حيث الشكل, يشبهني طفلاً, ومن حيث الجوهر سيجد فيه
الكثيرون أنفسهم, فأغلبنا يحمل في ذاكرته لحظات جميلة كثيرا ما تعاوده
وتشعره بالحنين إلى زمن قد ولى, لكننا نأبى العودة خوفاً من أشباح الماضي.
لي منذ رحلت عن القرية آخر مرة 15 عاماً, أي نصف المدة التي قضاها توتو في
روما بعيداً عن أمه ومسقط رأسه, ولو أن أمي ما زالت على قيد الحياة لكفى
اتصال هاتفي منها ليعود بي إليها كما فعلت أم توتو معه. لكن توتو لم يعد من
أجل أمه, عاد من أجل ألفريدو. و توتو لن يكبر, كما لن يكبر الطفل فينا,
سيظل “الطفل أب الرجل Child is the father of man” كما تصرح العبارة
الشهيرة في علم النفس والتي تدلل على أهمية مرحلة الطفولة في تكوين
مستقبلنا كرجال.
ببقاء توتو
طفلاً فإنه يرفع عنا كلفة الحنين إلى الماضي بالعودة لمشاهدة الفيلم
مجدداً. شاهدته قبل عشرون عاماً وأشاهده مرة أخرى اليوم بنفس الشغف, وما لم
يكبر الطفل فينا سنظل نشاهده ونستعيد ذكريات تلك الأيام التي لم تكن جميلة
بقدر ما أن الطفولة بحلوها ومرها كذلك.
يمنحنا توتو
فرصة للقيام برحلة في الزمن ويعفينا من القيام بها على أرض الواقع, رحلة
تشبه الإسقاط, حيث استعادة طفولتنا قد لا تكون مسلية ولذلك نستعيض بها
طفولة أخرى إن لم تكن تشبه طفولتنا فيمكننا على الأقل ادعاء أنها كذلك ومع
الزمن يصير ما تخيلناه حقيقة مثلما أن الأحلام عند فيلليني هي الحقيقة وما
عداها وهم.
فيلليني و تورانتوري وسينما باراديسو
كتبَ هذا
الفيلم وأخرجه الإيطالي جيوزيب تورنتوري عام 1988, تورنتوري الذي أتحفنا
بعد هذا الفيلم بأفلام مثل (الجميع بخير عام 1990) و (مالينا عام 2000),
وغيرها من الأفلام. حصل الفيلم عام 1990 على جائزتيّ الأوسكار والجولدن
جلوب كأفضل فيلم أجنبي, وحصد خمس جوائز بافتا عام 1991, منها جائزة أحسن
ممثل لفيليبي وريت الذي قام بدور ألفريدو, وجائزة أفضل ممثل مساعد للطفل
المدهش سالفاتوري كاسيو الذي قام بدور توتو في مرحلة الطفولة. كما نال
الفيلم عدة جوائز من مهرجانات أخرى.
وعن فيلم سينما باراديسو قال المخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني في مذكراته:
"من بين
المخرجين الجدد الذين أعرف أعمالهم, يعجبني على نحو خاص مخرجنا الإيطالي
جويسيب تورانتوري الذي يتصف فيلمه (سينما باراديسو) بالفردية الصادقة من
غير الابتعاد عن تراث السينما العظيم. إنه فيلم ناضج جداً قياساً إلى سنه.
ولأنه يصنع من الأفلام هذا النوع, فإنهم يعتقدون أنه غير مجدد, وهذا يعني
أنه مقلد وغير أصيل. وهذا ليس صحيحاً. فالقدم والجدة ليسا ما يهم, بل
الروعة والإدهاش." (ش شاندلر: مذكرات أنا فيليني, ص 351)
ويقول:
"ثمة أسف
أشعر به ولا أشارك فيه الجميع, ولكنني اعترفت به للمخرج جويسيب تورانتوري.
أنا لا أحب إسداء النصائح, إلا أنني رغبت في تشجيعه على عمل أتمنى لو أني
عملته. كنت أول من شاهد الطبعة الكاملة لفيلمه (سينما باراديسو). عرضه لي
وحدي, ثم سألني عن رأيي فيما ينبغي أن يفعل… الطبعة التي أراني إياها
تورانتوري هي الطبعة النهائية الموزعة للفيلم, وكذلك كانت طبعة (الشيخ
الأبيض) التي رآها روسيلليني. فكرت في كلماته (روسيلليني) وهو يقول لي: ذات
يوم سترى المستقبل في شخص أصغر منك وهو يجتاز مرحلة حاسمة من حياته.
أعجبني فيلم تورانتوري كثيراً, غير أني قلت له: إنه طويل جداً ويجب
اختصاره. ولما سألني عما ينبغي أن يختصر لم أقل شيئاً. أنا لا أفعل ذلك.
كان ينبغي ألا يصغي إليّ بل إلى نفسه." (السابق 371)
اقتباسات من الفيلم
إضافة إلى الاقتباسات التي وردت في سياق المقال, هناك عبارات أخرى وردت على لسان ألفريدو, منها:
"أختار أصدقائي لمظهرهم وأعدائي لذكائهم".
"لا يتبقى من لهب الحب سوى الرماد, حتى أعظم حب ينتهي بالفشل".
"لو أني خلقت العالم, أقول بكل تواضع, لكنت جعلت بعض الأشياء أفضل, لكن لسوء الحظ لستُ الخالق".
رياض حمادي
02/07/2016
ليست هناك تعليقات