أخبار الموقع

أنت لا تعرف جاك,, رياض حمادي

 أنت لا تعرف جاك You don’t know Jack 

للكاتب: رياض حمادي
رابط مدونة الكاتب

You_Don't_Know_Jack

أنت لا تعرف الألم إذاً “أنت لا تعرف جاك”!

كبسولة: وظيفة الملائكة أن تقبض الأرواح لا أن تداوي الجراح التي لا تبرأ والآلام التي لا تزول!
..
في رواية “انقطاعات الموت” لجوزيه ساراماجو يتوقف الناس عن الموت, أو يتوقف الموت عن زيارة الناس, فتضطر الحكومة نظراً لتكدس المرضى في المستشفيات  إلى تسليم الميئوس من حالتهم إلى ذويهم !
الرواية تعرض حالة افتراضية عن استحالة الموت وهو ما يعني عدم قدرة الأطباء على التعجيل بموت الحالات المستعصية على العلاج. وهي في طرحها لهذه الحالة الافتراضية تعطينا صورة عن مدى سوء الموت المؤجل والحياة المعلقة, أو العيش بين اللاحياة واللاموت لكن مع الألم.

"تكلم العجوز “فليقترب أحدكم”. سألته إحدى بناته: “هل تريد ماء ؟”, رد: “لا أريد ماء. أريد أن أموت”. “أنت تعلم أن الطبيب يقول أن ذلك غير ممكن يا أبتاه, تذكر أن الموت قد انتهى, الطبيب لا يفهم شيئاً” … “استمعي إلي بانتباه”, “إنني أسمعك”, “اقتربي أكثر قبل أن ينكسر صوتي”, “قل ما تريد”. همس العجوز بضع كلمات في أذن ابنته. فكانت ترفض بحركات من رأسها, ولكنه يلح ويلح."
 
هذا حوار مألوف وغير افتراضي بالمرة وهو على بال إن لم يكن على شفاه كل من يعاني من مرض عضال مؤلم وموت متحقق لكنه عسير المنال.

أنت لا تعرف هذا العجوز, مثلما لا تعرف جاك وهذه مصيبة قابلة للفهم لولا تحولها إلى مصيبة أعظم بإصرارك على أن لا تعرف !
فمن هو جاك يا ترى وما هي قصته ؟!

قبل أن أجيب على السؤال: من عادتي أن أبدأ الكتابة بالعمل قبل أن أكتب عنه.. ولن أغير عادتي.. وسأستطرد بهذه الأسئلة:
ماذا تسمي ذلك الشخص الذي بيده الدواء الذي يمكنه انقاذك من الألم الفظيع لكنه لا يفعل ؟!

أعرف إجابتك وأعرف أنك ستغيرها عندما تنتهي من القراءة !

عندما يربط الأطباء مريض ميؤوس من علاجه بأجهزة تضاعف من ألمه وعذابه – وعذاب المحيطين به – وتعمل على موته البطيء المؤلم, فإنهم بذلك يستحقون لقب ملائكة العذاب بدلاً من ملائكة الرحمة!

وعندما يقف الأطباء لمشاهدة الألم الفظيع الذي يشعر به مرضى السرطان وغيرها من الأمراض الميؤوس من علاجها ولا يفعلون شيئاً لوقف هذا الألم – بطلب من المرضى – فإنهم بذلك يكونون ملائكة الجحيم لا ملائكة الرحمة !

أليست وظيفة الأطباء تقديم العلاجات التي تخفف الآلام ؟! لماذا إذاً لا يقدمون وسائل تمنح المريض حق اختيار الموت المريح ؟!
المبررات التي يقدمونها لضرورة بقاء هؤلاء المرضى تحت آلة التعذيب هو : الله !

إذا كان الله هو من يقتل الناس في حوادث السيارات والزلازل والبراكين والفيضانات والحروب وجرائم القتل, كما تعتقدون, فلماذا لا تكون إرادته هي من يقتل المرضى الميؤوس من علاجهم عن طريق المساعدة الطبية المريحة؟!

ولماذا يود الله بقاء هؤلاء المرضى وهم يتعذبون إذا كان هناك فرصة لجعلهم يموتون وهم مبتسمين وبرغبة شخصية منهم ؟!

إنكم تتهمون الله بالسادية حين تقولون بأن إرادته هي المسؤولة عن عذابهم وبأنه يملك تحريرهم بالموت لكنه لا يفعل !

هناك طرق طبية للموت المريح, فيقولون لك : “لا”. الله قال : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57

هذا يعني وفقا لمفهومهم عن الموت أن مذاقه مؤلم وأن الله قد كتب عليك الألم لتتذوقه .. في كل لحظة !

وبما أن “الموت الرحيم” غير مؤلم, فهذا يعني أن جاك أرحم من الله !

لقد اعترض رجال الدين في ما مضى على المخدر, والسبب هو أن المخدر يمنع الشعور بالألم, وهذا مخالف للطبيعة التي خلقنا الله عليها !

توجد عبارة في قَسَم أبوقراط الطبي تشير إلى ضرورة ألا يعطي الطبيب دواءً قاتلاً أو يشير به. لكن في القَسَم القديم نفسه كان الطبيب يقسم على ألا يقوم بإجراء عمليات للمصابين بالحصى !

المرض من وجهة نظر المؤمنين هو ابتلاء من الله ومحاولة التخلص منه بالموت الطوعي أو بالموت الرحيم هو هروب من قضاء الله وقدره وسيكون جزاءه النار !

والمرض بالنسبة للإغريق كان من فعل الآلهة والهدف منه العقاب. والمرض ما زال يعتبر في كثير من المجتمعات ظاهرة فوق طبيعية. على سبيل المثال, تسمية “فلو” بالإنجليزية Flue  التي تطلق على الرشح تعني في الأساس الوقوع تحت التأثير السيئ للنجوم !

ولأنهم يؤمنون بالمعجزات لذلك لا يوجد في نظرهم مرض لا شفاء له أو ميؤوس منه فربما تتدخل العناية الإلهية في أي لحظة لإنقاذ ذلك المريض !

إن الله رحيم, وهو أرأف بالطفل من أمه, فهل ستكون أنت أرحم من الله بعباده!
هكذا سيردون عليك !

(أنت لا تعرف جاك You don’t know Jack) فيلم تلفزيوني من إخراج باري ليفنسون أنتجته محطة (HBO) التلفزيونية (2010). يحكي قصة الطبيب والعالم الأمريكي المثير للجدل (جاك كيفوركيان Jack Kevorkian- 1928 – 2011), الداعي إلى تشريع القتل الرحيم والذي سجن, إثر قيامه بإماتة عشرات الحالات الميؤوسة, لمدة ثمان سنوات. الفيلم من بطولة الممثل الأمريكي آل باتشينو وجون غودمان وسوزان سارندون . قصة الفيلم مبنية جزئياً على كتاب (بين الاحتضار والموت “BETWEEN the Dying and the Dead”) من تأليف (نيل نيكول و هاري وايلي NEAL NICOL and HARRY WYLIE).

ومن أجل منع الدكتور جاك من الاستمرار في أداء مهمته الملائكية تحجج المعترضون عليه بدواعي دينية وأخلاقية!

يمكن ان نرى ذلك في هذا الحوار المقتبس من الفيلم:
مقدمة البرنامج التلفزيوني: “ماذا تقول للناس الذين يقولون بأن الدكتور كافوركيان يلعب دور الإله ؟!”
دكتور كافوركيان : أقول لهم وماذا في ذلك ! عندما يعطيك الطبيب حبة فإنه يلعب دور الإله لأنه يتدخل بفعاليتك الطبيعية . كل الأطباء يعتقدون بأنهم آلهة !

وتسأله إحدى المتظاهرات ضده: “أليس لديك دين أو إله ؟!”

يجيبها : “بلى لدي دين واسمه “ليو سيباستيان باخ” على الأقل إلهي ليس مخترعاً !

وقال للقاضية في محاكمته الخامسة والأخيرة “يمكنك تسميته قتل رحيم, أنا أسميه شيء آخر. أسميه خدمة طبية medical service  لمريض يتألم ويتعذب ولا يمكن علاجه .. إن أدرت ظهري لذلك المريض هذا أسوأ بكثير .. هذه خدمة طبية وليس لها علاقة بالقتل”

بعد محاكمته الأخيرة سُجن الدكتور كافوركيان لمدة ثمان سنوات ونصف ثم أطلق سراحه في عام 2007 عن عمر يناهز 69 عاماً.

..

بمناسبة الموت, لنقف متأملين قليلاً في فلسفة الموت الاختياري:

إذا كان هناك من يمتدح الموت الطوعي أو “الموت المعقول” بتعبير نيتشه أو كما تسمونه الانتحار في حالات اليأس أو الألم المعنوي, فلماذا لا يكون هذا الموت متاحاً في حالات الألم الجسدي الغير قابل للشفاء والذي لا يطاق؟!

الشرط الأول للموت الطوعي هو انعدام دوافع الرغبة في الحياة, أو كما تساءل أنطونيو غالا في “الوله التركي” قائلاً : “لماذا يقتل شخص نفسه؟! ببساطة لا لوجود مبررات للموت بل لنقص مبررات الاستمرار في الحياة”.

أو كما قال الشاعر ابن الفجاءة أحد زعماء الخوارج ,في بيته الشهير:

وما للمرء خير في حياة .. إذا ما عُدَّ من سقط المتاع


يقول إميل سيوران: “لا ينتحر إلا المتفائلون, المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في التفاؤل. أما الآخرون, فلماذا يكون لهم مبرر للموت وهم لا يملكون مبرراً للحياة.". (*)

يقول نيتشه عن “الموت المعقول”:

"ما هو الأكثر معقولية : أن نوقف الآلة بعد أن ننجز العمل الذي طلب منها , أم أن نتركها تمشي إلى أن تتوقف وحدها. يعني إلى أن تتلف ؟ أليس الحل الأخير تبذيرا لمصاريف الصيانة واستخداما سيئا لقوة المستخدمين ولانتباههم ؟ ألا نهدر عبثا هنا ما قد نحتاج إليه جدا في مكان آخر ؟ أليس تعميما لنوع من الازدراء . ازدراء الآلات بشكل عام , أن نصون عددا كبيرا منها بلا فائدة ؟ – أتكلم عن الموت غير الإرادي ( الطبيعي ) وعلى الموت الإرادي ( المعقول ) . الموت الطبيعي هو الموت الذي لا علاقة للعقل به . الموت العبثي المحض الذي يحدد من خلاله جوهر القشرة الهش الوقت الذي يجب أن تعيشه اللوزة أم لا , الموت الذي يكون خلاله السجان المهلك , والمريض الخامل غالبا , السيد الذي يسجل انتصارا عندما يجب على سجينه النبيل أن يموت , الموت الطبيعي هو انتحار الطبيعة , يعني إفناء الكائن العاقل من قبل الكائن غير العاقل المقيد به. تبدوا الأشياء معكوسة في ضوء الرؤية الدينية , لأن العقل الأسمى ( لإله ما ) يعطي الأمر الذي يجب أن يخضع له العقل الأدنى . وخارج إطار الفكر الديني لا يستحق الموت الطبيعي أي تمجيد أو تعظيم . التنظيم الحكيم , والتدبير الحر للموت يدخلان في أخلاق مستقبل غير معقول اليوم وذو مظهر لا أخلاقي ينبغي لرؤية فجره وهو يطلع أن تكون غبطة لا توصف."

ويقول أيضاً:

"الموت هو الأكثر ابتذالا بين الناس , وتأتي الولادة في الدرجة الثانية. لأن جميع الذين لا يولدون يموتون, ثم يأتي الزواج ثالثا. هذه المآسي – الملاهي الصغيرة التي تمارس بكثرة يُقدمها ويعيد تقديمها مرات ومرات لا تحصى ممثلون جدد. ولذلك لا تكف من أن يكون لها متفرجون منتبهون جدا, في حين كان من الممكن أن نعتقد أن جميع هؤلاء المتفرجين على المسرح الأرضي قد علقوا أنفسهم بالأشجار تقززا ومنذ زمن طويل. عظيمة هي أهمية الممثلين . تافهة هي المسرحية." (**)

أما أنا فأقول (نختار الموت لأننا نفهمه أكثر من الحياة)

الموت حياة أخرى في سياق المجهول وعنصر التشويق هذا كافٍ لخوض تجربة الانتقال السريع والطوعي والشجاع واجتياز تلك القنطرة . فقط يجب أن تعلم أن الموت ليس نهاية الحياة بل بداية لحياة أخرى مختلفة.

قد يكون المعنى المتداول “للانتحار” هو الرغبة في الخروج عن جادة الطريق لكن له معانٍ أخرى خافية من ضمنها العودة من جديد إلى الطريق الذي ضللته. قد تعتقد بأنك ستموت للحظتك وقد يمهلك الموت مائة سنة أخرى. وإن كنت تؤمن بالقدر حقاً فتناول أربعة علب من الحبوب المنومة لتختبر هذه المعاني. إن ما ينقصنا هو التالي:الوعي بالحياة كي نقترب منها أكثر ونحياها كما يجب والوعي بالموت كي نفر منه إلى الأبد . فقط لو استطعنا الحياة معتقدين أننا سنموت في أي لحظة حينها سنعيش للأبد لأن”الوعي بالموت يشجعنا على الحياة بكثافة أكثر” حينها فقط ستقل معدلات “الانتحار” أو “الموت المعقول ” ثم لتختفي تماما في نهاية الأمر. ومن أجل ذلك نحن بحاجة إلى كذبة واحدة فقط من شخص خبير بالموت يؤكد لنا بأنه لم يعد في حياتنا سوى أسبوع واحد لنبلغ الضفة الأخرى وعلينا أن نصدقه حتى نستمر بأداء دورنا كما يجب في الكذبة الكبرى!

في رائعة باولو كويلو “فيرونيكا تقرر أن تموت”, تقرر “فيرونيكا” الموت, فتتناول مجموعة من الحبوب المنومة لكنها لا تكفي لقتلها, فيتم إسعافها إلى المشفى, وهناك يوهمها الطبيب أنه لم يتبقى من حياتها سوى أسبوع فتقرر أن تعيشه كما ينبغي لها أن تعيش, لتكتشف أن الحياة تستحق ان تُعاش. فتعيش لأن الطبيب كذب بشان ما تبقى من حياتها. ومن أجل ذلك نحن بحاجة إلى كذبة واحدة فقط من شخص خبير بالموت يؤكد لنا بأنه لم يعد في حياتنا سوى أسبوع واحد لنبلغ الضفة الأخرى وعلينا أن نصدقه حتى نستمر بأداء دورنا كما يجب في الكذبة الكبرى. وهذا هو آخر درس تعلمنا إياه الرواية.

"لو كنت خائفًا مرتعشًا وتحس أن الحياة مرتبكة وتاهت منك فكل ما عليك أن تفعل هو أن تجد الإرادة، وتساعد الناس، ولا تحكم عليهم. لو أردت ألا تعيش حياتك لتلعب أدوارًا فرضها عليك الآخرون فعليك أن تختار وتجد القدرة حتى لو فشلت مرة أخرى…باولو كويلو لا يسميك خائبًا، إنه يدعوك محارب النور القادر على فهم معجزة الحياة ."
..
فيديو يعرض لحظة “انتحار” مليونير بريطاني باختياره الشخصي وبين أهله وأمام الكاميرا , تناوله زوجته الدواء فيتناوله ليدخل وادي الموت بهدوء وبلا ألم وكأنه يهم بالنوم.

______________________________________.
(*) من كتاب: شهقة اليائسين – الانتحار في العالم العربي, ياسر ثابت, ص 145
(**) فريدريك نيتشه, ما وراء الخير والشر, (نصوص منتقاة من كتبه) ترجمة: د/ محمد عظيمة

ليست هناك تعليقات