أخبار الموقع

طعم الكرز جماليات الفكرة وبساطة التنفيذ,, رياض حمادي

طعم الكرز جماليات الفكرة وبساطة التنفيذ

للكاتب:رياض حمادي

taste-of-cherry-movie-poster-1997-1020196620

 

كم من ثمار الكرز علينا أن نتذوقها لنتوقف عن التفكير في الموت؟!

في جماليات الفكرة وبساطة التنفيذ تكمن أهمية فيلم (طعم الكرز The Taste of Cherry), لمخرجه وكاتبهعباس كيارستمي الذي رحل في 4 يوليو 2016 تاركاً إرثاً غنياً يفوق الأربعين فيلماً. ربما لهذا السبب يُعد الفيلم قطعة فنية Masterpiece أو تحفة بتعبيرنا الدارج. عُرض الفيلم عام 1997 ونال السعفة الذهبية في مهرجان كان Cannes 1997 كما حصل على جوائز أخرى.

الولوج إلى اللغز

في المشاهد الأولى سترى صور متفرقة للفقر والبطالة متجسدة في العمال وهم على الطرقات يبحثون عن عمل. والمناطق التي يتجول فيها بادي بسيارته تقع خارج المدينة, في منطقة شبه خالية من السكان ويكثر فيها الحفارون وفيها الحياة قاسية, لتكون المعادل الموضوعي لما يعتمل في صدر بادي.
يقود بادي سيارته بحثاً عن شخص يساعده في مهمة, نظير مبلغ من المال. ستمر المشاهد الأولى دون أن تعرف طبيعة المهمة؟ يصعد إلى جانبه في السيارة أشخاص من قوميات مختلفة, جندي كردي شاب ثم طالب أفغاني, يحاول بادي إغراءهما بالمال لكنهما يرفضان, ثم يعثر على ضالته أخيراً, السيد (باجير), تُركي عجوز يعمل في تحنيط الحيوانات في متحف الحياة الطبيعية.
يقبل باجير أداء المهمة لأسباب, منها فقره, ومرض طفله, ثم أن له تجربة مماثلة وهي محاولته الانتحار وهو شاب, لولا أن طعم التوت أنقذ حياته, كما أن تعامله مع جثث الحيوانات يسهل مهمته مع جثة بادي. اللغز ليس في الموت إذن ولكن في الدفن, مع أن الدفن أمره بسيط في ثقافة تسود فيها عبارة “إكرام الميت دفنه”, لكن هذه الفكرة الغريبة ستكون عتبة للولوج إلى فلسفة الحياة والموت.

أسئلة الحياة وجواب الموت 


في البداية ستسأل ما الذي يريده بادي؟! وبعد أن تعرف طبيعة المهمة وهو يتحدث إلى الجندي اليافع, سيظهر سؤال جديد: لماذا يريد أن ينتحر؟ هذا السؤال سيقودك حتى نهاية الفيلم, وبه يكمن التشويق, فهل ستجيب الأحداث عن السؤال؟! وقبل أن تتمكن من الإجابة على هذا السؤال ستقودك الأحداث إلى مزيد من الأسئلة:
هل يريد بادي أن ينتحر فعلاً أم أنه يختبر الآخرين فقط, أم أنه متردد ويتخذ من رفض الآخرين دافعاً للحياة؟
إزاء رفض دفن بادي, ستخطر في بالك صور استئجار قتلة يقتلون بدم بارد لقاء مبلغ زهيد من المال, وصور أخرى للقتل اليومي لأسباب واهية. وهنا ستسأل: لماذا يكون سهلاً على الإنسان أن يَقتل نفساً حية ويصعب عليه أن يَدفن جثة شخص قتل نفسه؟! هل دفن جثة أصعب من القتل؟! هذا السؤال يطرحه بادي على أحدهم بأسلوب يجمع بين الاستفهام والاستنكار والاستغراب, يقول بادي: “انا لا أريد أن اعطيك بندقية لتقتلني, أنا اعطيك مجرفة!“.
من يريد الانتحار لا يفكر كثيرا بما سيحدث له بعد الموت خلافاً لبادي الذي يقدِّم لنا حالة إنسان يرى أن جثته عورة,  وأن ما بعد الموت أهم من الحياة ومن الموت نفسه. هذه الحالة الفريدة تقودنا إلى أخرى ذات طابع روائي نجدها في شخصية حجيزي في رواية (منافي الرب) لأشرف الخمايسي. ثمة تناص بين شخصية بادي في الفيلم وشخصية حجيزي, كلاهما لا يخافان الموت, وعلى الرغم من أن حجيزي يبحث عن الخلود إلا أنه يخاف من الدفن, فدفن الجثة يؤدي إلى تفسخها, وهو يريد لجسده أن يبقى سليماً بعد موته. أما بادي فيخاف من أن تبقى جثته عورة مكشوفة, لذلك هو حريص على أن توارى تحت التراب.

فلسفة الموت والحياة

يقف بادي مجسداً للموت وسط مجتمع تبدو عليه علامات الحياة, هذا في الظاهر أما ما يحمله الجوهر فقد يكون العكس تماماً. إن إقبال بادي على الموت بطريقة مجردة من مشاعر الخوف هو نقيض ما يشعر به الناس في حياتهم اليومية حيث الخوف من الموت ينغط عليهم صفو الحياة والإقبال عليها, وبهذا يمثل بادي محاولة فرد لتغيير نظرة المجتمع للموت والحياة, فبدلاً من أن يكون الفعل البشري صنيعة هموم بشرية, أبرزها الخوف من الموت, كما يذهب توماس هوبز, على الفعل البشري أن يكون مدفوعاً بحب الحياة.
من منظور علم النفس تختزل ميلاني كلين Melanie Klein كل المشاكل النفسية إلى عنصر واحد هو الموت “كيف يمكننا أن نشفى من الموت؟” [1]. قد يكون الموت هو العلاج, كما يذهب نيتشه وسيوران, لكن هناك علاج أفضل هو حب الحياة, وهذا الدافع هو ما يقدمه السيد باجير لبادي من خلال حكاية الكرز, خلافاً للجندي وطالب الجامعة اللذان رفضا طلبه لدواعي دينية ولم يقدما له في المقابل دافعاً لحب الحياة بقدر ما تركز جهدهما على اللوم.
the taste of cherry

طريق الحياة وطعم الكرز

واحد من أهم مشاهد الفيلم, المشهد الذي يرشد فيه باجير بادي إلى مكان عمله, في متحف التاريخ الطبيعي, فيوجهه إلى طريق صخري ملتوٍ وطويل. تصوير المشهد تم من بعيد لنتمكن من رؤية الطريق, ويصلنا صوت باجير وهو يلقي خطاباً طويلاً على مسامع بادي, المنصت معظم الوقت. يمكن أن نرى في مواصفات الطريق كما توضحه الصور, وكلام باجير عنه, رمزاً لمنعطفات الحياة وخشونتها. هو طريق طويل يتفرع منه طرق أخرى, وعند مفترق الطرق ينبغي أن يعرف الإنسان أي طريق يسلك, وهذا ما يفعله باجير وهو يوجه بادي.


يبدأ المشهد في الدقيقة 58 حتى الدقيقة الثالثة عشرة بعد الستين, أي ربع ساعة. واللافت أن باجير لا يظهر في بداية المشهد, نسمع صوته فقط لمدة 3 دقائق, ثم تظهر صورته, ولظهور صوته قبل صورته دلالة تعطي أهمية لما سيقوله, وسيقول باحير الكثير إذ يستأثر بالكلام من طرف واحد ولا يتدخل بادي إلا قليلاً.
Taste of Cherry1

يصلان بالسيارة إلى مفترق طريقين فيقول له باجير: “استدر يساراً من فضلك”. يرد بادي: “أنا لا أعرف هذا الطريق”. يرد باجير: “أنا أعرفه, إنه أطول لكنه الأجمل”. والتلميح إلى الأحمر في لون الكرز, وإلى اليسار, له دلالة كبداية لطريق الحياة والنجاة من الموت (*), لكن لليمين حضوره في هذا الطريق, فعندما يصلان إلى تقاطع طرق (على شكل حرف إكس X) يطلب باجير من بادي أن يتجه يميناً, ومجموع عدد كلمات يسار و يمين هي 7 وتتخذ المسار التالي: (يسار – يسار – يمين – يمين – يمين – يمين – يسار), وكأن الحياة طريق غير مستقيم وعلينا أن نتعامل معه وفقاً لمنعطفاته, يميناً ويساراً, هذا من جهة. ومن جهة أخرى, يمكن أن نرى في هذين الاتجاهين دلالة رمزية تحل فيها كلمة اليسار محل الأفكار المنفتحة والدنيا والإقبال على متعها, وتحل اليمين محل الإيمان وحاجات الروح.

taste of cherry3

يستعرض باجير في خطابه كل أشكال الإقناع المختلفة, يقول له: “الحياة مثل قطار يتقدم للأمام حتى يصل إلى خط النهاية. الموت حل بالطبع, لكن ليس وأنت شاب. فكر بطريقة صحيحة وستكتشف أنك على خطأ, من المهم أن تفكر بعمق…”, وبعد أن يحكي له حكايته مع التوت يسأله: “هل ستستسلم لطعم الكرز؟”.
ثم يلجأ لأسلوب التسلية ليجعله يضحك, فيحكي له نكتة عن تركي ذهب لطبيب وقال له: “عندما ألمس جسمي بإصبعي أشعر بالألم, عندما ألمس رأسي وسيقاني, بطني, يدي, أشعر بالألم. قام الطبيب بفحصه وقال له: جسمك سليم, لكن اصبعك هو المكسور”. النكتة لم تكن وسيلة للضحك فقط ولكن للتفكير أيضاً, فيستنتج باجير قائلاً لبادي: “أنت لا تعاني من شيء, ولكن وجهة نظرك مريضة”.
يرسم باجير لوحة فنية يصور فيها كثير من متع الحياة, فيقول:
“إذا ما نظرت إلى الفصول الأربعة, كل فصل يحمل ثمرة. هناك ثمار في الصيف وثمار في الخريف أيضاً, وثمار الشتاء مختلفة وكذلك ثمار الربيع. لا يوجد أُم تملأ برادها بمثل هذه الثمار المتنوعة لأطفالها. لا يوجد أم تقوم بهذا من أجل أطفالها كما يقوم به الله من أجل مخلوقاته. تريد أن ترفض كل ذلك؟ تريد أن تتخلى عن كل ذلك؟ تريد أن تتخلى عن طعم الكرز؟
ويختم خطابه بأغنية تركية, كوسيلة إغراء أخيرة, تحمل إشارة إلى أهمية الموسيقى في الحياة. أغنية تمجد الحياة وتصورها على أنها صديقة للإنسان لا تكن له إلا كل الحب فمهما فعل ستظل صديقته.
موافقة باجير على تنفيذ المهمة التي طلبها بادي لها مدلولها, كان على أحد ما أن يوافق وإلا لاستمر بادي في البحث, كان على أحد ما أن يوقفه ويجعله يتراجع عن قراره, وقد تكفل خطاب باجير بذلك.
وهو بذلك يضع بادي أمام خيارين, أن يستمر في طريق الحياة ويجرب طعم الكرز (طعم الحياة) أو أن ينتحر. والنهاية المفتوحة تشير إلى أن بادي لم يتخذ قراراً بشأن الخيارين, على الرغم من أنه اتفق مع باجير على القدوم صباحاً, لكن عودته لمقر عمل باجير, في متحف الحياة البرية, وتنبيهه إلى أن يهزه وأن يقذفه بحجرين قبل أن يدفنه, فيه دلالة على تردد بادي وعلى احتمال عدم إقدامه على الانتحار.
ومن العلامات التي تشير إلى أن بادي لن ينتحر, الحوار التالي:
  • بادي: ماذا ستفعل عندما تأتي في الصباح؟
  • باجير: سأجيء عند الفجر وأناديك وأنت تجيب, ثم آخذ يدك لمساعدتك.
  • بادي: وإذا لم أجب؟
  • باجير: ستجيب بإذن الله, أعرف ما أقول.
  • بادي: لكن ماذا لو لم أُجبك؟
  • باجير: سأفعل ما طلبت مني فعله.
  • بادي: قل لي ماذا ستفعل؟
  • باجير: بعض الأشياء فعلها أسهل من قولها.
  • بادي: سأراك عند السادسة صباحاً.
  • باجير: إن شاء الله ستراني أنت أيضاً.
واضح جداً ثقة باجير في أن بادي سيعيد التفكير في أمر الانتحار. لذلك رفض أخذ المال, لكي يعطيه فرصة للتراجع, وفي ذلك تلميح إلى ثقته في أنه سيغير رأيه بعد كل ما قاله له. ومن علامات اقتناع بادي بكلام باجير أن هذا الأخير أخذ يحثه على الكلام طوال الطريق لكن بادي ظل صامتاً, وصمته يدل على عدم اعتراضه.
مشكلة بادي إذن ليست في الانتحار ولكن في إيجاد شخص يدفنه بعد موته. وهنا ستظهر أسئلة جديدة عن الخلفية الاجتماعية والأسرية لبادي, وبما أن القصة لم تقدم أي خلفية معرفية أو عقائدية عن بادي فهذا يعني أنها ليست مهمة, فالبطولة هنا ليست للشخصيات ولكن للفكرة والموضوع وطريقة عرضها. يحاول باجير استدراج بادي للحديث عن مشكلته, وحين يفشل في استنطاقه يقول: “المشكلة إما عائلية أو ديون“, ثم يضيف: “كل مشكلة ولها حل“.
دلالة عدم ذكر المشكلة, أو السبب الذي جعل بادي يقرر الانتحار, تفيد أن المشكلة ليست مهمة ولكن طريقة حلها, وقد جاء الحل من خلال التفكير وتغيير طريقة التفكير, فالذي أنقذ باجير من الانتحار هو طعم التوت الذي دفعه إلى تغيير طريقة تفكيره فعدل عن قرار الانتحار.
يعرض الفيلم إذن لثنائية الحياة والموت, يظهر الموت في الواجهة ومن خلال الحوار, بينما تكشف الكاميرا الصامتة عن صور متعددة للحياة يغلب عليها الفقر والبؤس وقسوة الطبيعة, مع بعض الصور الموحية بحياة سعيدة مثل لعب الأطفال على سيارة خردة والتقاط حبيبين لصورة معاً. حياة يظهر فيها الرجل وتغيب المرأة, وفي ذلك تلميح إلى ثقافة ذكورية سائدة مع وجود استثناء هامشي تمثل في المرأة التي تطلب من بادي أن يصورها هي ورجل إلى جوارها.
كل صور الحياة المريرة التي يعرضها الفيلم على نحو غير مباشر تحمل تلميحاً إلى أن البؤس وحده ليس كافياً للتفكير في الموت, ويظهر الكرز كاستثناء من خلال طعمه الحلو ولونه الأحمر الذي شكل دافعاً قوياً منع باجير من الإقدام على الانتحار وهو شاب. في المقابل لم يقدم الفيلم أي دافع لرغبة بادي في الانتحار, على الرغم من طرح السؤال على لسان باجير, وبهذا يكون الفيلم دعوة للحياة, بداية بالعنوان (طعم الكرز) الذي يرمز للحياة, ثم بمضامينه التي كَشفتُ عن بعضها هنا.
يمكن أن نجد المبرر للانتحار في غياب دافع الحياة, فحين لا يوجد دافع واحد للحياة لا يعود مهماً ذكر دافع الموت. وبما أن الفيلم ينتهي نهاية مفتوحة, دون معرفة ما حدث بعد أن نام بادي في الحفرة, يبقى الانتحار مجرد فكرة قابلة للمراجعة حالما يتوفر دافع للحياة.
السؤال الضمني, والمركزي برأيي, موجه للمشاهد وهو: لماذا تعيشون؟ في هذا السؤال تكمن الحياة, والحياة كما قال إيميل سيوران: “هدية يقدمها للأحياء أولئك المهووسون بالموت”. والمهووسون بالموت خلافاً لما هو شائع ليسو متشائمين, كما يقول سيروان: “لا ينتحر إلا المتفائلون، المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الإستمرار فى التفاؤل. أما الآخرون، فلماذا يكون لهم مبرّر للموت وهم لا يملكون مبرّراً للحياة؟”

البساطة والتعقيد

البساطة المتجلية في فكرة الفيلم وأداء الممثلين ثم في التنفيذ, ستجعلنا نعيد النظر في مسألة التعقيد والإبهار, وأي الأسلوبين أنسب لطرح الأفكار. البساطة في الفيلم لا تظهر فقط من خلال الفكرة ولكن أيضاً من خلال تنفيذها بسيناريو بسيط وكاميرا محمولة, في كثير من المشاهد الخالية من الاستعراض أو الإبهار. غياب الموسيقى التصويرية, وهي سمة ملازمة للسينما الإيرانية, أسهم في تأكيد هذه البساطة, إضافة إلى أداء الممثلين العفوي والبعيد عن التكلف ما يجعلك تشك في أنهم ليسو ممثلين ولكنهم أُناس من الشارع تم تصويرهم دون علم منهم!
من بساطة الأسلوب, لا تعقيده, تنتج أعظم الأعمال, وهذا ما لن يظهر في الثلث الأول من الفيلم, إلى درجة جعلتني أتساءل في هذا الجزء عن السبب الذي دعا النقاد اعتباره قطعة فنية. ومع ظهور باجير, وحكايته عن طعم الكرز, أشرق الفيلم بتداعيات الفكرة البسيطة وفتح أبواباً للتأويل. وهذه البساطة تذكرنا برواية (انقطاعات الموت) لخوسيه ساراماجو, التي تتحدث عن التوقف عن الموت, وتتولد من هذه الفكرة تداعيات ومواقف هي مجمل السرد في الرواية.

النهاية الصعبة – نهاية القصة و نهاية الفيلم

ستشعر في المشاهد الأخيرة للفيلم بالمأزق الذي وضعك فيه صانعه, وربما وضع نفسه فيه, فتوقُع نهاية لهذه القصة أمر صعب, ولذلك اختار لها كيارستمي النهاية المفتوحة. تنتهي القصة, بتلك اللقطة للسماء وهي تتحول إلى اللون الأسود, بادي ممدد في الحفرة (القبر) وينظر إلى السماء الملبدة بالغيوم –والغيوم قد تكون بشيراً بهطول المطر, وبداية واعدة لحياة بِذْرتها بادي!.
لكن كيارستمي أضاف مشهد ملحق يظهر فيه مع فريق عمله, ربما من أجل كسر حاجز التوقع, مما يجعل المشاهد يعيد طرح الأسئلة, لماذا فعل كيارستمي ذلك؟ هذا المشهد الإضافي يمكن الاستغناء عنه, لكنه برأيي يكشف عن عبقرية, وكأن لسان حال المخرج يقول: مهمتي انتهت, لقد كنا نصنع فيلماً, فماذا أنت صانع بحياتك؟!
ينتمي ظهور كيارستمي, والممثل الذي أدى دور بادي, في ختام الفيلم, إلى ما يسمى (نظرية بريخت) في التغريب. وهي “تقنية محددة –طريقة في التمثيل, في حركة الممثلين وتكلمهم, وفي الديكور نفسه- تأخذ بكسر (الوهم), وتذكير المتفرج بأن ما يراه, على المنصة, ليس الحياة, وإنما هو مسرح, كذبة, استعراض. وعليه, مع ذلك, أن يستخلص نتائج وتعاليم تقوده إلى العمل, من أجل تغيير الحياة” [2].
ولأن قصة الفيلم تعتمد على قوة الإقناع وتضييق المسافة بين الوهم والواقع فقد كانت تلك الخاتمة الملحقة بالقصة ضرورية من أجل إحالة المشاهد إلى الحياة, وبهذا الظهور يحل كيارستمي محل السيد باجير, وتحل أنت (المشاهد) محل السيد بادي!  
مع نهاية الفيلم ستنسى السؤال (لماذا) وستبزغ أسئلة أخرى, هل انتحر بادي؟ هل سيأتي باجير في صباح اليوم التالي؟ وستكتشف أن الفيلم, وعلى نحو ضمني, يطرح أسئلة ولا يقدم إجابات, يقذف لك بالكرة ويترك المرمى فارغاً لتسدد الهدف.
إنه عن حكاية يصعب إنهاؤها مثل صعوبة إنهاء الحياة بشرب حبوب المنوم. وكأن هذه النهاية المفتوحة رمز لما نقبل عليه كل يوم, إن حياتنا بحث دائم عن وسيلة للموت وعن أشخاص أوفياء يتولون دفننا, نحفر قبورنا بأيدينا عندما يحل الظلام, ننام فيها, وفي الصباح لا بد من مخرج.
وبهذه النهاية المفتوحة يضع المخرج فيلمه بين يديك ليقول لك: لقد صار فيلمك فاصنع له خاتمة تناسبك. أنا (كاتب هذا المقال) توقعت أن ينتهي هذا الفيلم هكذا: يأتي باجير في الصباح ليجد بادي ممدداً في الحفرة, ينادي عليه ثم يهزه, كما أخبره بادي, فيكتشف أنه ما زال على قيد الحياة, يأخذ بيده ويصعدان من الحفرة ثم يعطيه بادي المال لوفائه بالوعد. لكن النهاية السعيدة التي أقترحها, أو أي نهاية تقترحها, مقارنة بالنهاية المفتوحة التي اختارها كيارستمي يصب في صالح كيارستمي, فالحياة ليست حياة بادي, إنها حياتك, وحياتك لم تنتهي بعد وأنت وحدك الذي يملك أن يجعلها سعيدة إن وجدت كرزها وتذوقت طعمه.
كبسولة الختام:
أسئلة الموت والحياة لها جواب واحد هو الحياة نفسها, أن تعيشها الآن ببساطة ودون عُقد أو تعقيد, دون أن تنشغل عنها بحياة أخرى تعكر صفوها.
رياض حمَّادي
 مسودة 21/07/2016
[1] – آذر نفيسي: أشياء كنت ساكتة عنها, منشورات الجمل, ص 53
[2] – ماريو بارغاس يوسا: رسائل إلى روائي شاب. ترجمة: صالح علماني, المدى 2005, ص 29-30.
(*) – أدين لدلالة اليسار واليمين في هذا المشهد للصديق معروف عكاري, ملاحظته المازحة ذات قيمة كبيرة جعلتني أعود لمشاهدة المشهد مرتين وفي كل مرة كنت أخرج بدلالات جديدة فصلتها أعلاه.


ليست هناك تعليقات